الإنسان لا يموت...

 الإنسان لا يموت...

كتبه أحمد بن درويش الهادي. 

باحث - إرشاد نفسي. 

🪻🌷🪻


يُعد العلاج بالمعنى أحد أهم الأساليب العلاجية الناجحة في الإرشاد والعلاج النفسي، والذي يُستخدم لمعالجة بعض الاضطرابات النفسية كالاكتئاب، والقلق من الموت، ومعالجة الشعور بالفراغ الداخلي، واليأس، وكذلك الاسئلة الوجودية، ويهدف هذا النوع من العلاج إلى مساعد الإنسان على اكتشاف معنى وغايه في حياته، تُحفِّزه داخلياً لتمنحه التحمّل والاستمرار حتى في أشد الظروف وأصعبها، وقد أسس هذا المنهج عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل.


يُعاني الكثير من الناس من أفكار تتعلق بالانتحار واليأس التام من الحياة، وأفكار قهرية تتعلق بالموت وما بعده، وتتميّز هذه الأفكار بأنها سوداوية وغير واقعية ومُضخّمة، تسبب للإنسان ألماً نفسياً شديداً، وتؤثر على مزاجه واستقراره في ممارسة حياته اليومية، لذلك يُعد العلاج بالمعنى أحد التدخلات العلاجية الناجحة في علاج من يُعانون مثل هذه الأفكار.


والسؤال الآن: هل نحن نموت؟ بعض الناس يظن أن الموت هو نهاية الحياة الدائمة، ولكن الحقيقة ليست كذلك؛ فالموت ليس انتهاءً للحياة بل انتقالٌ وفناءٌ من الدنيا، وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة يتولد لديه المعنى الذي يضيء حياته، حيث تبدأ رحلة الإنسان في هذه الحياة الدنيا فيعيش فيها سنوات معدودة وينتقل بعدها إلى حياة أخرى لا تنتهي أبداً، نسأل الله تعالى لنا جنيعاً جنة الخُلد.


لذلك أفضل هدف يمكن أن يعيش لأجله الإنسان هو إدراك الغاية من وجوده؛ وهذا الإدراك يُساعِده بشكل كبير في التكيّف والتقبل، ويمنحه الطمأنينة ويخفف عنه الكثير من القلق والخوف، ويمنحه الدافع للسعي لعيش حياة طيبة ذات معنى، لأنه يعيش لغاية تمتد إلى ما بعد عمره. فالله تعالى، الذي أكرم الإنسان، أعطاه معنىً وهدفاً، { وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ }.


والذي يحرص أن يكون في حياته معنى هو الأقرب إلى الصحة النفسية من غيره، ويتحقق ذلك عند الإجابة عن السؤال التالي : كيف أعيش بمعنى في حياتي؟ والجواب: ليس من الضروري أن يكون الأمر خارقاً للعادة أو مثالياً، وإن جاء كذلك فمرحب به؛ إنما هناك الكثير من الأفعال والأقوال ذات المعنى، مثل: أداء واجباتك، رعايتك وبرّك بوالديك، وتنشئة جيل صالح، وابتسامة في وجه أخيك، وزيارة مريض، والقيام بعمل تطوعي ومساعدة الآخرين، وتجنّب أذى الناس. كل هذه الأفعال لها معنى وأثر عظيم في النفس والمزاج، فلا تستصغر الأعمال.


ويروي الكاتب مات هيغ في كتابه (Reason to Stay Alive)، عن تجربته مع الاكتئاب أنّه عندما كانت تراوده أفكار انتحارية كان يتذكّر أن هناك أشخاصاً يحبهم ويحبونه، وكُتباً لم يقرأها بعد، ومدناً لم يسافرها بعد، وهذه التفاصيل شكّلت له معنىً أنقذت حياته من الانتحار وهو في أشد الظروف النفسية. ولا نذهب بعيداً: فأهلنا في غزة يدافعون عن الأرض والكرامة، ووجود هذا المعنى منح الشعب الفلسطيني اليقين بالنصر وحوّلوه من مُعاناة إلى معنى يستحق العيش لأجله والدفاع عنه.


في الختام، لكي تجد معنى في حياتك، ليس بالضرورة أن تتبع قالباً معيّناً؛ يمكنك أن تملأ أيامك بالعمل الصالح وتنفع نفسك وغيرك، وأن تدرك أن هناك معنى يتطلب منك أن يكون نصب عينك، وهذا المعنى والهدف يستوعب كُل عمرك، وليس متعلقاً بفترة محددة، وأهم خطوة هي التركيز على هدف يمتد إلى ما بعد عمرك، كتربية أبناء صالحين، علم ينتفع به، مشروع تطوعي خيري، حتى إذا جاءتك لحظة الانتقال وجدت زاداً وعملاً حاضراً عند لقاء الله تعالى.


وتذكر أن الذي يقتل المعنى في حياة الإنسان هو النظرة الدونية النفس، والمقارنات الظالمة مع الآخرين، لذلك عِش حياتك بما تستطيع أن تقدمه؛ مع العلم أنك تمتلك قدرات جبّارة في داخلك تحتاج أن تكتشفها، لأن الله تعالى سيسألك عنها، والإنسان الذي وجد معنىً سامياً في حياته وعاشه لا يموت.


دمتم في حفظ الله ورعايته سالمين غانمين. 

تعليقات

  1. بارك الله في قلمك، ونفع بك، ونسأل الله أن يجعلنا من الذين يعيشون بمعنى، ويُخلّدون أثرهم في الدنيا قبل الآخرة

    ردحذف
  2. بوركت يداك أخي أحمد 🌸
    دمت بود

    ردحذف
  3. بارك الله فيك وجزاك الله خير الجزاء

    ردحذف
  4. أكرمك الله وبارك فيك

    ردحذف
  5. شكرًا للأستاذ أحمد بن درويش الهادي على هذا المقال النابض بالحكمة والرحمة

    ردحذف
  6. وفقك الله وسدّد خطاك، وجعل قلمك نورًا في دروب الآخرين.

    ردحذف
  7. إن قلمكم أستاذ أحمد يجمع بين الوعي النفسي العميق، والإيمان الصادق، واللغة السلسة، وهذا ما يجعل مقالاتكم ليست مجرد كلمات، بل جلسات إرشاد حيّة للقارئ.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحدود النفسية آمنة وتبدأ منك.

الطفولة ومجنون الحارة.