الطفولة ومجنون الحارة.

 الطفولة ومجنون الحارة.

كتبه أحمد بن درويش الهادي. 

*باحث-إرشاد نفسي. 

🌱🌸🌱

يستطيع الخبّاز أن يصنع من (العجين) أنواعاً وأشكالاً مختلفة من المخبُوزات ، ولكن بمجرد استواءها وخروجها من الفُرن يكون من الصعب عليه إعادة تشكيلها مرة أخرى ، وهذا لا يعني فقدان الأمل ، وأردت بهذا المثال تقريب الصورة للمرحلة الأكثر حساسية من حياة الإنسان ألا وهي الطفولة.


في هذه المرحلة، يكون فيها الإنسان كالعجينة الليّنة سهلة التشكيل والتّأثر، يُقلِّد ما يرى ويسمع ، كالقطن الرقيق يمتص كل شيء، بغض النظر عن فائدته ومضرّتِه ، وفي مقال سابق ذكرت أن المراحل الأولى من حياة الإنسان لها علاقة قوية بحاضر حياته بشكل أو بآخر ، أي أنها تساهم في تشكيل طريقة تفكيره ونظرته لنفسه والحياة والاخرين.


وكنت أتأمل في نفسي طريقة الحديث الداخلي مع نفسي خاصة عندما أمر بصعوبة معيّنة ، وبعد ملاحظة دقيقة وجدت أن طريقة التفكير لها علاقة بمرحلة الطفولة والمراهقة، مما ساعدني في التعامل السليم مع تلك الأفكار والمشاعر ، ودعاني لبذل المزيد من التأمل والاستبصار بنفسي والتعامل بشكل تدريجي للتحسين ، لأن الأمر ليس سهل كالكلمات ، والأمر يتطلب تقبُّل وتدريب وصبر حتى ننال مزيداً من السلام مع أنفسنا. 


جميعُنا مر بصعوبات وصدمات، ولكن ليس بالضرورة أن تكون لها تأثير سلبي بشكل تام على حياته ، بل هناك من صنعت منهم الابتلاءات والصدمات نماذج إيجابية وأحدثت فارقاً كبيراً في حياتهم، وقصصاً وعبراً خلّدها التاريخ، في المقابل هناك من تأثرت حياتهم ، وامتدت آثار ذلك إلى مراحل متقدمة من حياتهم .


آبائنا وأمهاتنا قدموا لنا أفضل ما لديهم من معرفة في ذلك الوقت ،ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجازيهم عنا كل خير على ما قدموه من جهد واهتمام ورعاية وتربية لجعل حياتنا طيبة، في المقابل نحن بحاجة إلى تطوير الطريقة التي تربينا عليها وتغييرها إن تطلب الأمر وليس تكرارها مع أبناءنا، لماذا؟


أولاً، علينا أن ندرك أن تحديات الزمان والواقع الجديد أصبحت مختلفة تماماً ، فما بين اليوم والأمس مسافة كبيرة جداً، وللضرورة أحكام ، ثانياً ، لا تقل أننا بخير ولم يصبنا شيء ولا داعي للتعلم والقراءة والتغيير، فهذا الكلام لا يجدي نفعاً، أمامنا واقع مليء بالتحديات الفكرية والأخلاقية والسلوكية ، ويوماً بعد يوم تتوسع المسافات. 


أما عن مصطلح الجنون، فهذا ليس مصطلحاً علمياً ، وإنما يستخدم في كثير من الجتمعات لأغراض مختلفة، مثل الإنسان المصاب باختلال ، وهناك من يستخدمه للمزاح أو الاستهزاء ،وربما تتفاجئ سماع ذلك عند شرائك لسيارة أو عند بناء منزل ، والبعض استخدمه حتى للعاقل الراشد وقد طال ذلك الأنبياء ، والدليل على ذلك، عندما جاء النبي صلى الله عليه بالحق المبين حكى لنا القرآن الكريم هذا المشهد على لسان المشركين المكذبين وردت فعلهم لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه : { وَقَالُوا۟ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِی نُزِّلَ عَلَیۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونࣱ }.


ولكن ما أقصده هنا وأود تسليط الضوء عليه هو التنبية والحذر من صُنع مجنون في الحارة ، مع أنه ليس كذلك، ولكن تُرك وأُهمل دون فهم واحتواء، وهذا التنبية والتثقيف أقصد به تجنّب إهمال وتهميش وتعنيف أي إنسان ( ذكر أو أنثى )، خاصة في السنوات الأولى من عمره ، وتلبية احتياجاته وحقوقه كالعلاج وطلب العلم ، وعدم الخوف والخجل من الناس وما يقولون ،لأن بعض الأسر تخجل من علاج أبنائها في حال معاناتهم من إضطراب نفسي أو عقلي، بل يتعاملون معه على أنه مجنون وعار ، وبلا أدنى شك هذا نتيجة الجهل وليس عن قصد، ولذلك الأمل بالله كبير، والظن به لا يخيب، والفرصة باقية والعلاج مُتاح،والضعف وارد، فلا تمنعوا أنفسكم ولا تحرموا غيركم.


دمتم في حفظ الله ورعايته سالمين غانمين. 

وكل ثانيه ولحظة وأنتم بخير وصحة وعافية بمناسبة العام الهجري الجديد.

5 محرم ١٤٤٧ هجري.

تعليقات

  1. بارك الله فيك ونفع بك

    ردحذف
  2. جزاك الله مقال رائع

    ردحذف
  3. نصائح درر جزاك الله خيرا وبارك الله فيك

    ردحذف
  4. احسنت أستاذ احمد بارك الله فيك وكل عام وانتم بخير

    ردحذف
  5. بارك الله فيك ونفع بك وزادك علمًا وتوفيقًا

    ردحذف
  6. بارك الله فيك أستاذ أحمد

    ردحذف
  7. بارك الله فيك وجعلك مثالا ذخرا لناس ولاهلك .الله يحفظك

    ردحذف
  8. بارك الله لنا فيك ونفعنا بعلمك الشيخ أحمد. أعجبني مثال تشبيه العجين واستواءه بمرحلة الطفولة والبلوغ وأعتقد أنه مثال عبقري. ونلاحظ أن أكثر الناس سجناء عقدهم النفسية وهم لا يعلمون, فكيف نقوم بفك تلك القيود عنهم؟ وماذا لو كان الخبز قاسيا لا يمكن تشكيله بعد استواءه؟

    ردحذف
    الردود
    1. أحمد الهادي1 يوليو 2025 في 11:55 م

      حياك الله اخي العزيز،
      اللهم آمين ولك بالمثل بإذن الله تعالى.
      أرجو أن تكون بخير وصحة وعافية.

      تأكد أن الأمل بالله كبير، وما دمت وعيت وعرفت بالمشكلة، فهذي أول خطوة للعلاج. اشتغل على نفسك، وربما تواجه صعوبات، اطلب المساعدة إذا احتجت. حتى لو الخبز قسى، نقدر نعدّل ونحسّن. كل شيء قابل للإصلاح ، وتأكد أنك راح تكون أقوى من السابق بإذن الله، وبلا شك أن جميع الأمور قابلة للعلاج والإصلاح بإذن الله.

      حفظك الله ورعاك

      حذف
  9. أكرمك الله وبارك فيك

    ردحذف
  10. أسلوبك راقٍ ومؤثر، أتمنى أن تستمر في الكتابة، نحن بحاجة لهذا النوع من الطرح

    ردحذف
  11. كلماتك ليست مجرد حروف، بل هي نبضٌ فكريٌّ وروحيٌّ، فيها من الحكمة ما يُضيء، ومن الرحمة ما يُلهم، ومن المعنى ما يُنقذ.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحدود النفسية آمنة وتبدأ منك.

الإنسان لا يموت...