القُيود الخفيّة والسجن المفتوح.

 القُيود الخفيّة والسجن المفتوح.

كتبه أحمد بن درويش الهادي.

*باحث-إرشاد نفسي. 

🍃🌱🍂


إذا أردنا قياس الأثر النفسي المتوقع على إنسان صدر في حقه حُكم بالسجن وهو لم يرتكب جُرماً، فستكون النتيجة حينها بلا شك مؤلمة وظالمة، أليس كذلك؟ في المقابل هناك نوع آخر من إصدار الأحكام ، يتكرر في صالات المنازل والبيئة الاجتماعية وبيئة العمل وبين الإنسان ونفسه.

لا يقتصر الأمر على نطاق الأسرة والبيئة الاجتماعية بل يشمل حتى بيئة العمل وبرامج التواصل الاجتماعي ، ويُعد إصدار الأحكام والاتهام والتقليل من شأن الفرد مؤذياً للنفوس ومؤثراً مُفسداً للعلاقات، وذلك بسبب غياب الحوار المُريح، والتبيّن ، والتأكد بين الناس. والله المستعان.

غالباً إطلاق الأحكام يكون بصيغة سلبية غير واقعية ومُضخّمة، ويأتي مباشرة بعد كلمة (أنت) ، وللتوضيح أكثر دعونا نأخذ هذه الأمثلة، أغلبنا لا يُحب أن يقال له: أنت كسول ، أو أنت ما تعرف شيء! ، لماذا ؟ لأن تلك الكلمات هي في الأصل بعيده عن الدعم النفسي، والحل هو استبدالها بعبارات مثل: هل تعاني من ظرف أو مشكلة ؟ خليني أفهم يمكن أقدر أساعدك ؟.

ماذا أقصد بهذا الكلام؟ أقصد أن هناك بعض الألفاظ قد تبدو في ظاهرها أنها تحفيز أو بقصد نيه طيبة وهذا هو الغالب ، ولكن في الحقيقه تلك الألفاظ مُدمره للذات وتجلب المشاعر السلبيه للطرف الاخر بدون أن نشعر ، ولاحظت أن بعض الأسر يمنعون أبنائهم من التجربة إما خشيت الفشل أو الخطأ أو كما يعتقدون (فضيحة )،مثل : (أنت ما تعرف ) حتى وإن كان في تقشير بُرتقالة أو إعداد وجبة! ، والسبب في ذلك هو اشتراط الكمال وعدم قبول الخطأ!.

ولكن ماذا عليه إن أخطأ ؟ فالإنسان كائن يتعلم ويُخطئ ثم ينجح ، وهناك من يمنعون أبنائهم من ذبح الأضاحي في يوم العيد بحجة أنهم لازالوا صغار ولا يعلمون !، إذ كيف يتعلم الأبناء وهم لم يُدرّبوا ولم يشجعوا !، وتجد الأبناء وصلوا سن العشرين من العُمر، في حين أن الكثير من الأسر لا تدرك أن هذا الخوف المُبالغ فيه والحماية المفرطة تؤدي إلى استمرار الخوف من التجربة مستقبلاً، إلا أن يتدارك الشاب نفسه .

أما الجانب الخفي من هذا الموضوع فهو تلك الحقائق الخفيّه التي لا يراها ولا يدركها الكثير من الناس : وذلك حين يُصبح الإنسان قاضٍ ظالمٍ لنفسه دون أن يدري ويُدرك ذلك ، مما يؤثر ذلك على طريقة تفكيره وسلوكه وتنعكس سلباً على جودة حياته، فيبدأ في إصدار الأحكام بصورة مشوهه وغير واقعية عن نفسه والأخرين والحياة، كأن يقول : أنا ما أستحق هذا الكلام الطيب !، أنا أصلا ما أصلح لشيء ،الناس كلهم حسّاد ، وهذا هو السجن المفتوح بعينه.

ومن الأسباب التي تجعل الإنسان يتلفظ بهذه الألفاظ هي الأفكار والمشاعر السلبية التي في (ذهنه)، وركز معي على كلمة في ذهنه، أي أنها بعيده عن واقع حياته التي يعيشها، وهذا قيد قيّد الإنسان به نفسه ، فهناك فرق بين تلك الفكرة التي تقول بأنك غير جيد وبين الواقع الذي يشهد أنك جيد ، بل حتى وإن كان عن واقع فهو غالباً مضخّم وغير واقعي، والسؤال الأن ، من أين أتت هذه الفكرة؟ إما من الطفولة والبيئة الأسرية والاجتماعية التي يعيش فيها، أو ربما مر بتجربه صعبة وظن أنها النهاية ،أو عن طريق نظرته لنفسه وتفاعله الغير صحيح مع تلك الفكرة التي في ذهنه، وهذا يتطلب التصحيح.

وبدايةً من المنزل وإلى لكل من له سُلطة وقرار ، ينبغي أن نكون حذرين عندما نسمع شكوى ضد أحد ، من حيث تجنّب التفاعل مع طرف دون سماع طرف الآخر، أي على أن الطرف الأول هو صاحب الحق والطرف الثاني مُذنب ، وما نحتاجه هو التّبين والتأكد حتى لا يفسد الحكم ، لأن الله تعالى ارشدنا إلى طلب الدليل والتبيّن، وتطبيق هذا يتطلّب أن يستحضر الإنسان التقوى وهو بالطبع ليس بالسهل. 

وأكثر من يعاني ويتأثر من إصدار الأحكام والإتهام هم المصابين بالاضطرابات النفسية، لأنه ما يرونه الناس هو فقط ١٠ % من الاضطراب وهو الظاهر، بينما الأمر الخفي الذي يعيشه المصاب هو ٩٠ % ، إذ في كثير من الأحيان يريد الإنسان أن يجد من يفهمه ويتفهّم ما يمر به، خاصة من المقربين والأصدقاء، ولكن نادراً ما يجِد ذلك الشخص ، وغالباً الكثير من الناس لا يطلب المساعدة في الأصل، لأنه يخاف من عدت اعتبارات منها الخوف من سماع الأحكام واللوم، ولكن لابد من إستشارة مختص أو حكيم.

في النهاية ، من محاسن وجمال العلاج النفسي أنه يُبصِّر الإنسان ويقدم له الدعم والتّفهم بدون إصدار أحكام ، حيث يساعده على التعامل السليم مع افكاره ومشاعره وسلوكه، وهذه النقطة غائبة عن كثير من الناس، أي لا يقول للإنسان : أنت مذنب أو مخطئ ، ومن المفترض ان تكون كذا، وانت اصلا كنت كذا، وانت المفروض تعمل كذا ، فهذا ليس هو العلاج النفسي .

دمتم في حفظ الله ورعايته سالمين غانمين🍃🍂

ليلة ١٢ محرم ١٤٤٧هجري.

تعليقات

  1. بارك الله فيك ونفع بك وزادك علمًا وتوفيقًا

    ردحذف
  2. وفقك الله بارك الله لك
    وامدك ان جعل لك عمل صالح

    ردحذف
  3. جزاك الله خير

    ردحذف
  4. الكتابة ليست موهبة فقط، بل مسؤولية. فإذا منحتك الحياة القدرة على التعبير وتعليم وتبصير الناس ، فلا تبخل بها على من لا يعرف كيف يُعبّر.
    وأنت تملك هذه القدرة، فلا تتوقف.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحدود النفسية آمنة وتبدأ منك.

الطفولة ومجنون الحارة.

الإنسان لا يموت...