ساعد في صُنع القرار، ولا تقرر عن أحد...

 ساعد في صُنع القرار، ولا تقرر عن أحد...

كتبه أحمد بن درويش الهادي.

باحث - إرشاد نفسي.

🍂🍃🌱

عندما نذهب لتفصيل الملابس الجديدة يبدأ الخيّاط بعرض القماش بمختلف أنواعه والوانه،وبعد الاختيار يقوم بأهم خطوة وهي أخذ القياس، وهنا الخيّاط قام بمساعدة الزبون على صُنع القرار ولم يقرر عنه، لماذا؟ لأن الزبون هو من يتحمل مسؤولية اختيار ملابسه ونوعها ولونها وليس الخيّاط، فما دام شراء الثوب يحتاج إلى قرار فما بالنا بالقرارات الأخرى !.


الكثير منّا يُعاني من صعوبة في اتخاذ القرار حتى في أبسط الأشياء، ولا تستغرب أن تجد نفسك أو أحد من معارفك يأخذ وقتاً طويلاً ليشتري حاجة من الحاجيات، أو يتأخر في اتخاذ قرار ما، ولا يعني أنه يتعمد التأخير بل هو منزعج من نفسه، وهذا التردد ليس وليد اللحظة بل له جذور وأسباب متعدده، زمنها يمتد منذ الطفولة لأنه لم يُدرّب على اتخاذ القرار وضعف الحوار في الأسرة وكذلك المثالية المُعيقة.


وذكر الدكتور إبراهيم الخليفي في كتابه (في بيتنا مكّار) أن هناك خمس مستويات لمشاركة الأبناء في القرارات، وجميع تلك المستويات فيها مساهمة من قِبل الطرفين حسب نوع القرار، فمثلاً هناك قرار فيه مساهمة الأبناء بنسبة ٩٠ بالمئة، بينما تكون مساهمة الأب في القرار بنسبة ١٠ بالمئة، وهناك قرار مساهمة الأب ٥٠ % ومساهمة الابن ٥٠ % وهناك قرار فيه مساهمة الأب بنسبة ٧٠ % ومساهمة الابن في القرار ٣٠ % وهناك قرار مساهمة الأب ٩٠ % بينما مساهمة الابن ١٠ %، إلى آخره، ومن أمثلة تلك القرارات الالتزام بالعبادات ، والذهاب للمدرسة ، وأوقات النوم، والخروج والدخول من المنزل، والتخطيط للإيجازات.


ومرّت علي بعض أبيات من الشعر لأحد أبرز شعراء العصر العباسي، وهو إسماعيل العنزي، حيث وجدت في تلك الأبيات معنى عميق، ورسالة مختصرة، وهي كالتالي:


الموتُ بابٌ وكل الناسِ داخله * فليت شعري بعد الباب ما الدارُ.

الدارُ جنّة خُلدٍ إن عملت بما * يرضي الإله وإن قصّرت فالنارُ.

هما محلان ما للناس غيرهما * فانظر لنفسك ماذا أنت تختارُ.


فالقرار بيد الإنسان، والجنة اختيار وقرار، وظننا بالله العظيم الرحمة والمغفرة والعتق من النار، أسأل الله لي ولكم الفردوس الأعلى من الجنة.


وفي هذا المقال أود التركيز على جانب خفي من الضروري التنبيه عليه وتبصير الناس بتداعياته، ويتعلق بإحدى خطوات الخطوبة والزواج، وهنا لا أتحدث عن الإكراه والتهديد والتهميش في القرار، إنما أقصد جانب خفي، على سبيل المثال: في بعض البيئات يقولوا أننا أعطينا فلان (كلمة رجال) ومن الفضيحة أن نتراجع عن هذه الكلمة!، مع أن أصحاب الشأن كالشاب والفتاة ليس لديهم علم ولم يُأخذ برأيهم، ومثل هذه التدخلات تسببت في الكثير من المشاكل الأسرية والنفسية والاجتماعية، والنوع الآخر هو عند إخبار الفتاة أو التلويح لها أن فلان يود التقدم لخطبتك، في حين أن ذلك الشاب لا يعلم عن الموضوع ولم يصرِّح بذلك، مما قد يسبب التباساً قد يوقع الفتاة وأهلها في وهم التّرقب، وربما يسبب الحرج والتوتر بين العلاقات، ويوقعهم في توقعات غير صحيحة.


وفي مشهد آخر، عندما يتقدم شاب لخطبة فتاة، وبعد الموافقة المبدئية، قد يفاجئ أهل الفتاة من رد أهل الشاب بأننا نعتذر ولا نصيب! وذلك بدون (علم الشاب الخاطب)، وفي صورة معاكسة، هناك من الأسر من تقرر الموافقة أو الرفض بدون علم الفتاة، وكلى الحالتين فيها تعدٍّ على حق وقرار ليس من حق أحد التدخل فيه إلا بالحق والمشورة والحوار المُريح، ومن الحكمة تجنب إصدار قرارات شخصية تخص الأخرين إلا بتفويض منهم ويكون بصورة حكيمة تتناسب مع تعاليم الشرع الحنيف والعادات الحسنة في المجتمع، فالتّدخل في مثل هذه القرارات يؤدي إلى اضطراب في العلاقات.


في الختام، أدعوا الجميع إلى التسامح والتصالح مع الماضي والتعلّم منه، ولنحرص أن تكون منازلنا مساحة واسعة وآمنه للحوار، فالإنسان بحاجة إلى من يُعينه على اتخاذ القرار، وليس أن يقرر عنه، ولتفادي ذلك ينبغي أن نكون مُعينين، ولكن كيف يكون ذلك؟


أولاً: لابد أن يكون هناك حوار مُريح ومُتزن داخل الأسرة ويكون مسموح فيه إبداء الرأي بدون ضغط أو تهديد.

ثانياً: مساعدة الفتاة والشاب لتزويدهم بالمعلومات عن الخاطب أو المخطوبة، كالسؤال من مصادر موثوقة عن المعلومات المهمة التي يحتاجونها بكل أمانة وصدق، مثل : سألنا عن فلانه أو فلان أكثر من مصدر وتبيّن لنا أنه شاب طيب ومحافظ على صلاته ومحمود الأخلاق وطيب السمعة، والعكس بالعكس إن كان الأمر بخلاف ذلك فالمستشار مؤتمن، ومن الخطأ أن نضع الشاب أو الفتاة في حيرة أو غموض من أمرهم.


ونصيحتي للشباب والفتيات إذا كان لديك رأي فلا تتردد ولا تخف من إبدائه على أن يكون في إطار الأخلاق الحسنة، وإن لم يحصل النصيب، هذا لا يعني أنكِ أو أنك لست جيد، ولا بأس إن راودتكم بعض الأفكار والمشاعر مثل الحزن أو اتهام أنفسكم بالنقص أو التساؤل عن أسباب الرفض، فلا بأس عليك لأنها مشاعر طبيعية وعابرة خاصة في مثل هكذا مواقف، والأمر والخير كله بيد الله، لأن رفض الطلب من أحد الطرفين أمر طبيعي وجزء من سنة الحياة ولا يؤثر على قيمة أي من الشاب أو الفتاة.

دمتم في حفظ الله ورعايته سالمين غانمين. 

تعليقات

  1. أحسنت بارك الله فيك
    أرجو أن تستمر في الكتابة، نحن بحاجة لهذا النوع من الطرح

    ردحذف
    الردود
    1. جزاك الله ياإستاذ احمد

      حذف
  2. جزاك الله خير
    في ميزان حسناتك بإذن الله

    ردحذف
  3. بارك الله فيك

    ردحذف
  4. جزاك الله خير اخي احمد وبارك الله فيك

    ردحذف
  5. ❤️💌
    الموتُ بابٌ وكل الناسِ داخله * فليت شعري بعد الباب ما الدارُ.

    الدارُ جنّة خُلدٍ إن عملت بما * يرضي الإله وإن قصّرت فالنارُ.

    هما محلان ما للناس غيرهما * فانظر لنفسك ماذا أنت تختارُ.

    ردحذف
  6. بارك الله فيك

    ردحذف
  7. القمر المنير11 سبتمبر 2025 في 2:48 م

    شكرًا لجهودكم في إثراء الوعي النفسي والاجتماعي، ونتطلع إلى المزيد من كتاباتكم الهادفة.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحدود النفسية آمنة وتبدأ منك.

الطفولة ومجنون الحارة.

الإنسان لا يموت...