الحدود النفسية آمنة وتبدأ منك.
الحدود النفسية آمنة وتبدأ منك.
كتبه أحمد بن درويش الهادي.
باحث - إرشاد نفسي.
💌🍃💌
قصّ الله علينا كيد إخوة يوسف عليه السلام حين ألقوه في الجُب، وبعد أن كادوا لأخيهم، جاء مشهد آخر لا يقل أسفاً؛ إذ مرّت قافلة من الناس ليتزودوا بالماء من البئر، فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه ورأى غُلام، واستبشر قائلاً : يا بشرى هذا غُلام!، ولم يكن هذا الاستبشار بدافع الرحمة أو إنقاذ الغلام، بل بدافع المنفعة والمال، والغريب أنه لم يقل: واسفاه هذا غلام!، بل أسرّوه بضاعة، وهذا ليس بالغريب في بيئة يسودها حُب المال وغياب الإنسانية: { وَجَاۤءَتۡ سَیَّارَةࣱ فَأَرۡسَلُوا۟ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ یَـٰبُشۡرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمࣱۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةࣰۚ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِمَا یَعۡمَلُونَ }.
وفي زماننا هذا، تتكرر نفسُ العِبارة من حيث المبدأ والمقصد، في السابق قيلت عن غُلام وُجد في بئر، واليوم تقال لوجود فتاة، عبارة ظاهرها الأمان وباطنها استغلال، وأنا لا أستخدم لغة التعميم، إنما أقصد من يتصيّد ويتعمد بناء علاقات بهدف الاستغلال والمنفعة الشخصية ودوافع غير نزيهة ومن الجنسين، يستغل بذلك ضعف الوعي أو حاجة من الحاجيات، أو لأجل بُغية في نفسه، مستخدم بذلك وسائل متعددة في الإغواء والتضليل، ويقول حينها: يا بُشرى هذهِ فتاة!.
وفي هذا المقال، حديثي ليس عن التعامل الإنسانية الطبيعية بين الجنسين المبني على الاحترام ومراعاة الطرف الآخر، فالنساء شقائق الرجال، إنما حديثي عن الصداقات العاطفية (الاستغلالية) بين الجنسين، والتي غالباً يحدث فيها تجاوزاً للحدود والخصوصية، حتى إن حدث برضى الطرفين ظاهرياً، فإنه يترك أثر سلبي في الأفكار والمشاعر، مثل التعلُّق العاطفي غير الآمن وانعدام الطمأنينة، والشعور بالذنب وجلد الذات، وهناك أيضًا نموذج شائع وهو الاستغلال العاطفي الذي يهدد شعور الفرد بالأمان حتى وإن كانت العلاقة افتراضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك التصحيح هُنا ليس خياراً ثانوياً، بل الخيار الأول لمن أراد الشفاء والوعي وتصليح المسار.
بصورة عامة، نظرة الرجل للمرأة تختلف عن نظرة المرأة للرجل، وهذا الاختلاف طبيعي وليس نقصاً في أحدهما، إنما بسبب اختلاف الطبيعة السيكولوجية والنفسية، وأبرز هذه الاختلافات تكمن في طريقة التفكير والمشاعر وكيفية استقبال وتفسير المواضيع، ويقتضي هذا الاختلاف وجود حدود واضحة وآمنة عندما يتعامل كل جنس مع الآخر، ويجب أن تُحترم وتُراعى، لماذا؟ لأن المصلحة الدينية والأخلاقية والنفسية والاجتماعية تستلزم ذلك، وتشمل هذه الحدود المسافة الجسدية وضبط الألفاظ وحسن إدارة النظر، والالتزام بهذه الحدود دليل وعي واحترام للنفس ولحدود الطرف الآخر، وإن تنازل عنها أحد الأطراف وجب التنبية، وإن تطلب الأمر وجب الحزم وليس التساهل.
وهنا أود لفت عناية من يختار ويقبل الدخول في صداقات عاطفية (استغلالية): قد تقع الفتاة في خطأ بدافع مُعيّن، كقلّة وعي أو بحث عن الأمان أو بدافع مُعيّن. في المقابل، قد يقع الشاب في الخطأ للسبب نفسه، والأجدر من الطرفين أن يُصححا مسار العلاقة قبل أن تترك أثراً سلبيا، فالعلاقة الآمنة للجنسين هي العلاقة الواضحة والمسؤولة وهي الزواج. لذلك على الشباب والفتيات أن يتحمّلوا مسؤولية نواياهم وأفعالهم، وما أطرحه هنا ليس هجوماً أو اتهاماً لأحد، بل توصيف للطبيعة البشرية.
الحدود والإحترام بين الجنسين تحمي الطرفين، والعكس بالعكس، لذلك كُل إنسان يستحق الأمان والإكرام وحفظ الكرامة، في المقابل، بعض المجتمعات تُلقي اللوم على الفتاة أكثر من الشاب، وربما تُعامل كعار وهو ما يعكس أعرافاً إجتماعية لا تُمثل نظرة الدين، ولم تكن مكانة المرأة قبل بعثة النبي ﷺ كما بعد البعثة، فالتهميش تبدّل، وتغيّرت المُعتقدات، فأصبحت لها مكانة ومنزلة عظيمة، قال ﷺ: (اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرا).
ختاماً، المقال دعوة للوعي والاحترام والستر وليس للهجوم أو الادانة، وكُنت أتأمل حكمة الله تعالى في حادثة الإفك، ومن يُدرك معاني الأخلاق والقيم العليا يرى قيمتها ومكانتها في هذا الموقف الجليل، حيث تعامل رسولنا الحبيب ﷺ، وواجه حادثة الإفك بحكمة وتروٍّ، دون تعجل في الإتهام أو إصدار الأحكام، وهذا درسٌ عظيم لم ولن تجد البشرية مثله، في أهمية الحكمة والتثبت والستر، كما أن الله تعالى برّأ السيدة عائشة رضي الله عنها وعاتب بعض الصحابة الذين خاضوا في الأمر، وهذا درس عظيم علّمنا إياه القرآن الكريم.
شكرًا لك أخي على هذا المقال العميق والمتزن. كلماتك لامست جوهر العلاقات الإنسانية، وطرحت قضية حساسة بأسلوب راقٍ ومؤثر. زادك الله بصيرة، ونفع بك في مجال الإرشاد النفسي.
ردحذفاللهم بارك في أخينا أحمد بن درويش الهادي، وزده علمًا ونورًا وبصيرة. اللهم اجعل قلمه سببًا في هداية القلوب، ونفع العقول، وإصلاح النفوس. اللهم احفظه من كل سوء، ووفقه لما تحب وترضى، واجعل له في كل كلمة أجرًا، وفي كل نية صدقًا، وفي كل خطوة توفيقًا.
ردحذفشكرا لك على المقال الرائع الذي لامس الواقع ويضع أساليب التعامل بين الجنسين في موضعها الصحيح ...
ردحذفبارك الله فيك تسلم الايادي التي كتبتها
ردحذفاللهم اجعل هذا القلم نورًا، وهذه الكلمات أثرًا، وهذا الوعي بابًا للخير.
ردحذفأحسن الله اليك أستاذ أحمد
ردحذفهذا يؤكد الحكمة من أوامر الشرع بالحجاب ومنع الخلوة وعدم الخضوع بالقول
ويوضح خطورة الإعلام الذي ينشر الفحش
أحسنت، بارك الله فيك
ردحذفبارك الله فيك
ردحذفلقد قلتَ: "يا بشرى هذه فتاة!"، وربما نسمعها كل يوم، لكن لا ننتبه لما وراءها...
ردحذفشكرًا لك لأنك قلتها بصوتٍ يسمعه من يريد أن ينجو.
جزاك الله خيرًا على هذا المقال، وعلى إحساسك العالي، وقلمك الذي اختار التوعية طريقًا بدل الإدانة.
ردحذفزادك الله علمًا ونورًا، وفتح لك أبواب التأثير الطيب والبنّاء.