الشعور بالذنب والمرآة الجانبية.
الشعور بالذنب والمرآة الجانبية.
كتبه أحمد بن درويش الهادي.
طالب- إرشاد نفسي.
💌💌💌
الشعور بالذنب أحد أكثر المشاعر التي يمرّ بها الإنسان في حياته، وهذا الشعور يُصيب جميع الناس بلا استثناء، لماذا؟ لأننا بشر، وهو من المشاعر الطبيعية التي تساعدنا لنكون أفضل من السابق، ومنبة للغفلة ومصحح للأخطاء التي نقع فيها في مختلف النواحي، كما أن الشعور بالذنب نوعان، الأول صحي ويساعد على التغيير والنمو ويقود إلى الصحة النفسية، أما الثاني فهو غير الصحي، ويُعيق نمو وتطور الإنسان ويؤثر في صحته النفسية، بل يُحمِّل صاحبه أعباء غير واقعية ومُضخّمة وضغط نفسي مستمر.
الشعور بالذنب الطبيعي يشبه المرآة العادية في المنزل، التي تعكس لك الصورة الحقيقية كما هي، بلا تزييف، أما الشعور غير الصحي، فهو يشبه المرآة الجانبية للسيارة، التي تُريك الصورة بغير وضعها الطبيعي إما قريبة جداً أو بعيدة، ولذلك مكتوب عليها: (الأشياء التي تشاهدها أصغر مما تبدو عليه في الواقع).
بعض الناس يعانون ويتألمون من حضور الشعور بالذنب غير الصحي حتى في مواقف طبيعية، وأول خطوة للتفريق بين الشعور بالذنب الصحي وغير الصحي هو إدراك الموقف أو الخطأ الذي وقعنا فيه، أي نحتاج أن نقيّم الموقف بواقعية، هل بالفعل أنا مذنب أم أنني أحمّل نفسي ما لا أطيق؟
مثلاً، يأتي الشعور بالذنب بعد الوقوع في خطأ أو فِعل عمل ينافي الأخلاق، أما غير الصحي فهو المبالغة في المحاسبة بحيث يتحول إلى كابوس نفسي يثقل صاحبه، وأذكر أن شاباً يقول أنه كان يعتذر بشكل مستمر ومتكرر وهو في الحقيقة لم يُخطئ في الأساس، وهذا النوع من الاعتذار له علاقة قوية بالشعور بالذنب غير الصحي، لماذا؟ لأن الاعتذار وطلب المسامحة من الأخلاق الحسنة والصفات الحميدة ولكن بمجرد أن يخرج عن الطبيعي فإنه يتحول إلى عبء على صاحبه.
ومن أمثلة ذلك، هناك بعض الطلاب والطالبات خاصة في المراحل الحاسمة من الدراسة، يلوم نفسه لأنه لم يذاكر في اليوم ١٢ ساعات متواصلة، ولو أنه كان يذاكر بصورة متواصله لما حصل على تقدير كذا !، ونسي أن هناك وقت للراحة ووقت للصلاة ووقت للطعام، كما أن هناك من يسافر للدراسة ويغترب لتحصيل العلم ويشعر بالذنب لماذا تركت والديّ وأهلي وحدهم، مع أن الأمر مؤقت وفيه مرونه ويمكن مُعالجته.
وعند النساء مثل الأمهات خاصة اللاتي يعملن، عندما تأتي من العمل، لا تسمح لنفسها الحصول على وقت للراحة بحجة أنها لا تريد ترك أبناءها بدون رعاية، أي أن يكون كل وقتها في خدمتهم ورعايتهم وتنفيذ ما يطلبونه، وهذا سلوك محمود إذا كان في حدود واضحة، ولكن ما يحصل غالبًا هو تجاوز تلك الحدود مما يؤدي إلى إرهاق نفسي للأم والأب، وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية الخصوصية والراحلة للوالدين حتى يتمكنوا من استعادت طاقتهم لرعايتهم، يقول سبحانه: { یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لِیَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِینَ مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡ وَٱلَّذِینَ لَمۡ یَبۡلُغُوا۟ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَـٰثَ مَرَّ ٰتࣲۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِینَ تَضَعُونَ ثِیَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِیرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَاۤءِۚ ثَلَـٰثُ عَوۡرَ ٰتࣲ لَّكُمۡۚ لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ وَلَا عَلَیۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّ ٰفُونَ عَلَیۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ كَذَ ٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡـَٔایَـٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ }.
والشعور بالذنب المفرط أو غير الصحي له جذور وأسباب متعدده، تمتد منذ الطفولة، فهو غالباً ليس وليد اللحظة، فالتربية والتنشئة الصارمة لها نصيب، والمقارنة والمثالية لها نصيب، والبيئة الاجتماعية قد تسهم كذلك، فأحياناً يُلام الطفل لأنه أمسك كيس البلاستيك بيده اليسرى بدل اليمنى! ، لا بأس في التنبية ولكن أن يستمر التنبية لمدة نصف ساعة فهذا غير مناسب، وعندما نركز على بعض سلوكياتنا نجد أن هناك بعض التفاصيل شكلت هذا الشعور، فنحن لدينا مستوى من اللوم العالي والشديد حتى في أبسط الأشياء.
ختاماً، البعض يقول أنا أعلم أنني لم أخطئ ولكن يأتيني بدون اختيار ولا أستطيع منعه ، نقول له كلامك صحيح، فنحن في صغرنا نُلام حتى على الأمور الصحيحة، فختلطت علينا الأمور، والأن بمجرد أن ندرك هذا، فما علينا إلا أن نتقبل وجود هذا الشعور مؤقتًا حتى يهدأ مع الوقت وينتهي، والتقبل هنا لا يعني الموافقة عليه بل التكيّف معه.
ومن وجهة نظري ربما الضيق والحزن الذي يأتينا دون سبب واضح ولا نعرف مصدره قد يكون هذا الشعور أحد أسبابه، فالشعور بالذنب المفرط يسلبنا الراحة والطمأنينة ويجعلنا في توتر وقلق دائم. لذلك، تلطف مع نفسك، فالله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يريدك أن تحمل ذنباً أكبر من طاقتك، بل يريدك أن تتعلم وتواصل حياتك مستفيدًا من التجارب، وتذكر: صحتك النفسية حق أصيل لك، وليست ترفاً.
نجحت في تبسيط المفهوم العلمي بلغة تصل للقلب والعقل معًا. وتشبيهك بالمرآة من أذكى ما كُتب في التثقيف النفسي.
ردحذفوفقك الله
ردحذفاستمر في عطائك، فالكلمة الصادقة تبقى، حتى بعد أن يصمت صاحبها
ردحذفجزاك الله خير الجزاء، مقال عميق
ردحذفمقالاتك تجمع بين الفكر العميق والرحمة الإنسانية.
ردحذفزادك الله علمًا وبصيرة، وبارك في قلمك
أعجبتني كثيرًا طريقة الربط بين الشعور بالذنب والمرآة الجانبية، فهي صورة بليغة تختصر الكثير من المعاناة التي يعيشها البعض دون أن يدركوا سببها الحقيقي.
ردحذفشكرًا لك على هذا المقال الذي يحمل بين سطوره نورًا من الفهم والرحمة
ردحذفدمت مبدعًا، ودام قلمك منارةً للوعي والرحمة.
ردحذفبارك الله فيك استاذ أحمد
ردحذف