الألم النفسي، لا يبقى نفسياً.

 الألم النفسي، لا يبقى نفسياً. 

كتبه أحمد بن درويش الهادي. 

*باحث - إرشاد نفسي. 


🍃🌸🍂

هناك ارتباط وعلاقة قوية بين الجسد والنفس، وهذا الارتباط دائم، فالنفس إذا اضطربت يتدخّل الجسد، وكذلك الجسد إذا مرِض أغاثته النفس، ويحدث ذلك تلقائياً بدون ادراك الإنسان، وبصورة لا يفهمها الكثير، والنقطة المهمة هُنا، أنه إذا استمر الألم ولم يُعالج، قد يتطور الأمر ويتأثر الأثنين معاً، النفس والجسد، ويعرف علمياً بإسم الاضطرابات النفسجسدية.


ومن وجهة نظري وتحليلي الشخصي، أن كثير من مراجعي العيادات والمراكز الصحية الحكومية والخاصة يُعانون من أعراض جسدية سببها الأساسي نفسي، والعكس بالعكس، فالصحة النفسية والجسدية توأم لا يفترقا، وللتوضيح خذ هذا المثال:


أذكر أن شاباً كان يذهب من مستشفى إلى آخر لإجراء الفحوصات، وفي كل مرة تظهر نتائج الفحوصات سليمة، لكنه في الواقع لا يشعر بالراحة ويأتيه الشك مجددًا، مع وجود أعراض جسدية، فيكرر الفحوصات مرة تلو الأخرى، وتراه يتنقّل بين المستشفيات الحكومية والخاصة، وفي النهاية تظهر النتائج سليمة، إلا أنه أدرك مُتأخراً وبعد استفحال الألم أن الأمر ليس له علاقة بالجسد ذهب إلى مختص نفسي، وتبيّن أن السبب لم يكن مرضا جسديا، إنما اضطراب توهم المرض، وقلق نفسي تحوّل إلى أعراض جسدية.


من الطبيعي إجراء الفحص مرة أو مرتين للاطمئنان، ولكن ليس بصورة متكرره ومتتالية، لماذا؟ لأن المسألة تعدّت الحدود، وأصبحت مؤثرة. ثايناً: يكفي إجراء فحص واحد، وإن أردت مرة أخرى وتوقف فوراً، في المقابل، هناك من يسأل: ما المشكلة إن أجرى الإنسان الفحص أكثر من مرة ليتأكد ويطمئن؟ بالعكس لا توجد مشكلة إن كانت مرة أو مرتين، ولكن المشكلة في التكرار والذهاب من مستشفى إلى آخر، والصحيح ينتهي برؤية نتائج الفحص ويطمئن، ولكن لماذا البعض يعود مرة أخرى لإجراء الفحوصات؟ هنا السؤال، والإجابة هي البحث عن المجهول أو بسبب الفكرة القهرية، أي أبعد من الخوف.


بعض الاضطرابات النفسية كانت في البداية مشكلة نفسية قبل أن تتحول إلى اضطراب، ولذلك أغلب الاضطرابات إذا لم تُعالج مُبكراً قد تتطور وتتحول بعضها إلى أعراض جسدية، وبعضها الآخر يتحول من مستوى إلى آخر؛ فالقلق والوسواس قد يتطوران إلى اكتئاب، بل إن بعض الأمراض العضوية حين تُهمل ولا تُعالج يصبح الإنسان حينها أكثر عرضة للإصابة بأحد الاضطرابات النفسية.


ختاماً، النفس البشرية عميقة ومُعقّدة، وتحتاج إلى فهم واحتواء ولُطف وحوار، وأحياناً إلى إعادة بناء، الألم النفسي خفي، ولكن لا يختفي، لا تٌهمله في نفسك ولا تُقلل من تأثيره، فهناك فرصة كبيرة للعلاج والشفاء، فما من داء إلا له دواء بإذن الله، والأمل بالله كبير، (وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَیۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِیدِ).

تعليقات

  1. أحسنت، بارك الله فيك

    ردحذف
  2. شكرا أخي العزيز أحمد
    مقال نافع

    ردحذف
  3. شكراً أخي العزيز وفقك الله تسلم

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحدود النفسية آمنة وتبدأ منك.

الطفولة ومجنون الحارة.

الإنسان لا يموت...