الاضطراب النفسي غير ملموس (نزيف بلا جرح).

 الاضطراب النفسي غير ملموس (نزيف بلا جرح).

كتبه أحمد بن درويش الهادي.

باحث إرشاد نفسي 

🍂🌸🍃

الإنسان عندما يُصاب بأحد الاضطرابات النفسية لا يدرك غالباً أنه مصاب في البداية، ولا يستوعب ذلك إلا بعد أن يستبصر بحالته، ولكن هو يعلم أنه يعاني من مشكلة، إلا أنه لا يعلم ماهيتها وتسميتها.


وهذا الأمر يُحيّر المصاب، لأنه لا يرى شيئاً ملموساً؛ كارتفاع درجة حرارة الجسم، أو جرحاً في اليد، ولا يخطر بباله أن ما يمر به قد يكون اضطراباً نفسياً. وربما قد ينفي ذلك إذا ذُكِّر بصحته النفسية، ظناً منه أن الاضطراب النفسي لا يكون إلا كالمجنون الذي يُصوّر في الإعلام.


وتجد أغلب الحالات تطلب المساعدة بعد سنوات من الألم، وهذا ما أكدته الدراسات العلمية، في المقابل، هناك حالات تطلب المساعدة حين المشكلة. لأن المصاب مع مرور الوقت وشدت الألم يبدأ بالانهيار التدريجي وبعدها يطلب المساعدة، لذلك على المصاب أن يدرك أن تحمّله الألم والمعاناة لسنوات ماضية تتطلب منه أيضاً أن يصبر وأن تكون لديه إرادة للشفاء والعلاج، فلا يشترط على نفسه الشفاء السريع، لأن إشتراط سرعة الشفاء يؤثر في سير عملية العلاج لدى بعض المصابين، ظنناً منهم أن الأمر كالحمى أو الأمراض العضوية الاخرى تكفيها جرعة دواء أو جلسة علاجية، بينما في الواقع الأمر مختلف، لذلك الأمر يتطلب بعض الوقت.


كما أن أغلب الاضطرابات النفسية تبدأ بشكل خفيف ثم تتطور حتى تصل إلى مستوى الشديد، ككرة الثلج تماماً، وبعض الاضطرابات تأتي بعد مرور بصدمة، ومن أشهرها اضطراب ما بعد الصدمة، وسمي بهذا الاسم لأن الاضطراب يأتي بعد الصدمة التي مر بها الإنسان، علماً أن الجميع يمر بصدمات، ولكن ليس كل الصدمات تسبب اضطراب، بل ربما يمر اخوة أشقاء بنفس الصدمة ولكن يتأثر الأول ولا يتأثر الثاني.


ولكي نبسِّط المفاهيم للقارئ الكريم سوف أضرب أمثلة على بعض الاضطرابات النفسية، ويمكن تصنيفها كالتالي:

أولاً: الاضطرابات النفسية (العصابية)، مثل: القلق، الاكتئاب، الوسواس القهري. ثانياً: الاضطرابات الشخصية، مثل: الحدية، الوسواسية، النرجسية. ثالثاً: الاضطرابات العقلية (الذهانية)، مثل: الفصام، ثنائي القطب. 


وللتوضيح أكثر خذ هذه الأمثلة من خلال تشبيه بعض الاضطرابات، الآن تخيّل معي بيتًا من طابقين جاهزًا للسكن، إلا أن هناك نافذة مكسورة أو باب يحتاج إلى تغيير أو إصلاح، فإن الاضطراب النفسي يشبه ذلك الجزء من البيت الذي أصابه خلل.


أما إذا جئنا إلى الاضطرابات الشخصية فإنها مختلفة تمامًا عن الاضطرابات النفسية، ويمكن القول أنها خلل في أساس البيت، أي هيكل البيت به مشكلة، وبلا شك، إصلاح الأساس يتطلب وقت وطرق علمية ومهنية للعلاج.


والأمر الآخر، أن الاضطرابات النفسية غالبا ما يشعر المصاب أنه يعاني من خلل مؤثر في نفسه وحياته، كأفكار قهرية أو قلق مرضي أو مزاج مضطرب، وتكون شبه خفية على من حوله، ولذلك غالبا هو الذي يبادر لطلب المساعدة والعلاج، بينما بعض الاضطرابات الشخصية يعاني هو ومن حوله، وتكون واضحة لمن حوله؛ فالناس حوله منزعجين من صعوبة التعامل معه، بسبب خلل في مشاعره وسلوكه، بينما هو يظن العكس، معتقداً أن الخلل في الآخرين لا فيه، لأنه لا يدرك ولا يعلم أنه مصاب.


وما يجب التأكيد عليه أن العلاج النفسي متوفر ولله الحمد، ولا حرج في التنوية أن بعض الاضطرابات النفسية تستجيب سريعاً للعلاج وبعضها يحتاج إلى وقت، وأقصد بالوقت هنا جلسات علاجية، ويعتمد ذلك على عدة عوامل منها: نوع الاضطراب والمدة الزمنية من الإصابة، والإرادة الشخصية ودعم الأسرة، أما عن الاضطرابات الشخصية فهي أكثر تعقيداً، لأن المصاب ينفي غالباً أنه مصاب، ولذلك لا يذهب لطلب العلاج.


ختاماً، أنا لا أصف الألم النفسي بحد ذاته، لأنه في الحقيقة من الصعب وصف وقياس الألم النفسي، ثانياً: تشخيص هذه الاضطرابات يكون من المختصين في المجال، وما أذكره هنا، مجرد طرح تثقيفي وتوعوي ومعرفي يهدف إلى مساعد القارئ لتصور المشهد وتقريب الصورة.


دمتم في حفظ الله ورعايته سالمين غانمين.

تعليقات

  1. زادك الله علما وحكمة

    ردحذف
  2. أحسنت، بارك الله فيك

    ردحذف
  3. بارك الله فيك

    ردحذف
  4. صحيح ما تفضلت به . و من هنا وجب علينا كمختصين التوعية بأن النفس تصيبها الوعكات الصحية مثلها مثل الجسم بحيث يتعكر صفو حياة الفرد و يحتاج إلى مرافقة و تكفل نفسي .

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحدود النفسية آمنة وتبدأ منك.

الطفولة ومجنون الحارة.

الإنسان لا يموت...